السبت، 21 يناير، 2017

مراجعة كتاب : Awakenings لأوليفر ساكس ...

السبت، 21 يناير، 2017

مرض غامض يحول ضحاياه إلى "تماثيل" حية؟.. بالتأكيد كوبي المفضل من الشاي!



معلومات عن الكتاب
اسم الكتاب:
Awakenings
الإيقاظ
الكاتب: Oliver Sacks
اللغة الأصلية: الإنجليزية
الترجمة العربية للكتاب: غير متوفرة
التصنيفات: علمي، طبي، علم نفس، علم أعصاب



نظرة عامة على الكتاب:

يبتدئ الكتاب بنبذة تعريفية عن مرض "باركينسون" وأعراضه وعلاماته بالتفصيل وكما يشاهدها الممارس الطبي في مجال عمله، وأيضاً كما يعيشها ويرويها المريض نفسه. ويتبع -عن طريق ملاحظة الكاتب الطبية وما يرويه له المرضى أثناء المقابلات- رحلة هذا المرض بمعظم صوره. ثم يأتي التركيز الأكبر على الوباء المسبب لتلك الأعراض "الباركينسونية" في الأساس وبأشد صورها، وهو مرض التهاب الدماغ النوامي أو كما يسمى علمياً
" Encephalitis Lethargica "
الذي ظهر فجأة وسمي بـ"مرض النوم" في أواخر العشرينات من القرن الماضي واختفى فجأة كما ظهر.

يتابع الكتاب عدة حالات من هذا المرض ورحلتهم معه منذ الإصابة وحتى ظهور الدواء الثوري L-Dopa الذي تمت تجربته عليهم - برضاهم - وتأثيراته وآثاره الجانبية على من نجح معهم أولئك الذين لم يكتب لهم "الشفاء" بواسطته.
بالاختصار؛ يوصف المرض - رغم عدم وجود صورتين إكلينيكيتين متطابقتين له على الإطلاق - بتأثيره على محفزات المريض الداخلية ويضعف من اهتمامه في رد الفعل أو الحركة، لدرجة تصل فيها أن يتخذ المريض وضعية جمودية واحدة (كتمثال) دون إبداء أية رغبة في الحراك. وقد لا يتحرك المريض أبداً دون مؤثر خارجي (كوكزة أو تنبيه من المحيطين به) لفترات قد تتراوح من دقائق وساعات وحتى أشهر عديدة. بالإضافة إلى الأعراض الباركينسونية العادية من صعوبة في الحركة وتصلب الأعضاء والبطئ والرعاش. وقد يصل في نهاية المطاف إلى تعقيدات شتى كالغيبوبة الشبيهة بالموت أو الموت نفسه.


قد يبقى المرضى في وضعيات كهذه لساعات طوال دون إبداء أي رغبة في الحراك إلى حين تدخل مؤثر خارجي

يتشابه مرض التهاب الدماغ النوامي مع مرض باركينسون (رغم كون الباركينسونية عرضاً من أعراضه أو صورة مخففة عنه) في كون المؤثر الرئيس في باثولوجيته هو غياب هرمون الدوبامين الذي يعتبر المحفز العام للجسم والعقل على حدٍ سواء. فالدوبامين باختصار هو ما يجعلنا نشعر بالحاجة للحراك وفعل شيء ما.. في غياب الدوبامين قد يشعر المرء بأن كل شيء لا داعي له ولا معنى.. وقد يفقد مريض نقص هذا الهرمون الدافع على الشعور بحد ذاته فلا يشعر بشيء على الإطلاق! رغم كون كل وظائف المريض الدماغية والذكائية فعالة بشكل ممتاز وإنما فقط يفقد القدرة على الإحساس بأهمية الحركة ويرى أنها مجرد شيء إضافي لا طائل منه فيعيش في حالة إعاقة إفتراضية.

ولأن الكتاب كان حافلاً بالحالات والقضايا الشيقة، سأترجم هنا بعضاً من الأمثلة المثيرة للاهتمام على غياب الدافع والاهتمام والرغبة في ممارسة الحياة وانعدام الانفعال التي يسببها الغياب الحاد الدوبامين والتي وردت في الكتاب:

----------------------------------------------------
يروي الدكتور ساكس عن مقابلة ونقاش دار بينه وبين إحدى المريضات وهي "الآنسة ر." كما يرمز لها في الكتاب:
-- أحياناً أسأل الآنسة ر. عما تفكر فيه. فترد علي: "لاشيء، فقط لا شيء".
"ولكن كيف يمكنكِ أن تفكري بلاشيء؟"
"الأمر في غاية البساطة ما إن تعرف كيف تفعله"
"كيف بالضبط تستطيعين التفكير بلا شيء؟"
"إحدى الطرق لذلك هي أن تفكر بالشيء ذاته مراتٍ ومراتٍ عديدة. مثلا إثنان تساوي إثنان تساوي إثنان تساوي إثنين. أو أنا من أنا من أنا من أنا.. الأمر ذاته مع الحركة فكل شيء أفعله يؤدي إلى نفسه.. مهما كان ما أفعله أو أفكره فيه يقودني أعمق وأعمق إلى الشيء ذاته.. ومن ثم هناك خرائط"
"خرائط؟ ما الذي تعنينه؟"
"كل شيء أفعله هو خريطة لنفسه، كل شيء أفعله هو جزء من نفسه. كل جزء يؤدي لنفسه... تكون لدي فكرة ما في رأسي ثم أرى فيها شيئاً.. كنقطة في سماء واسعة، فتقترب أكثر وأكثر، وعندها أرى ماهي تلك النقطة في الحقيقة.. إنها نفس الفكرة التي كنت أفكر فيها قبلها. ومن ثم أرى نقطة أخرى وهكذا. أو أن أفكر في خريطة.. ثم خريطة لتلك الخريطة، ثم خريطة لخريطة تلك الخريطة. وكل واحدة من تلك الخرائط هي مثالية وكاملة.. أصغر وأصغر.. عالم بداخل عالم بداخل عالم بداخل عالم.. وعندما أمضي فيها لا يسعني التوقف. الأمر أشبه بأن تعلق بين المرايا، أو الصدى أو شيئاً كذلك. أو أن تركب لعبة الملاهي لتدور بك وتدور ولا تتوقف" --
----------------------------------------------------
تقول إحدى بنات واحدة من المرضى: "أحياناً أشعر بأن أمي لا تشعر بشيء على الإطلاق، ورغم أنها ترى وتلاحظ كل شيء وتتذكره. اعتدت أن أشعر بالاستياء والتعاسة لحالتها، ولكني لم أغضب منها.. فبعد كل شيء، كيف يمكنك أن تلوم أو تغضب من شبح؟"
----------------------------------------------------
وتقول الأم نفسها أعلاه واصفة أيام مرضها بعد استخدامها L-dopa: " لم أكن حتى أملك مزاجاً.. لم أعد أبالي بأي شيء. لا شيء يحركني ولا حتى موت والدي. كنت قد نسيت كيف أفرح أو أحزن. هل كان نسياني لتلك المشاعر نعمة أم نقمة؟ لم يكن أيا منهما.. لقد كان لاشيء."
----------------------------------------------------
--إحدى الحالات الغريبة التي لا تزال عالقة في ذهني هي حالة السيدة هيستر. ذلك اليوم غرق المستشفى وفاض بالمياه فتتبعنا مصدرها إلى الطابق الخامس حيث يقيم مرضى مابعد التهاب الدماغ النوامي. في إحدى الحمامات وجدنا السيدة هيستر واقفة بلا حراك والماء يصل إلى إبطيها. وعندما قمت بلمس كتفها أجفلت فجأة وصاحت: "يا إلهي! ماذا جرى؟"
قلت لها : "أنتِ أخبريني بما جرى"
" أردت أن آخذ حماماً وبدأت بملء الحوض.. كان فيه حوالي إنشين فقط من الماء. وبعدها بثانية تظهر أنت لتلمسني وهناك فيضان هائل حولي!"--
----------------------------------------------------



لذلك كان التوصل للبديل L-Dopa علامة فارقة في تاريخ التهاب الدماغ النوامي وكذلك مرض باركينسون. رغم أنه لم يعمل على الشفاء التام في معظم الحالات وكون تأثيراته الجانبية كبيرة جداً ومزعجة على مرضى التهاب الدماغ النوامي، إلا أن شعور "الإستيقاظ" الذي يشعر به المرضى بعد استخدامه أنقذ بعضهم من الموت المحتم ومكن المحظوظين منهم من مواصلة حيواتهم الطبيعية بصورةٍ ما لسنواتٍ عديدة. أما أولئك الذين لم يكتب لهم الشفاء بواسطته فعلى الأقل عاشوا تلك "الاستيقاظة" ولو لفترة وجيزة من الزمان قبل أن تنهشهم الأعراض الجانبية للدواء.

مشكلة L-Dopa مع مرضى التهاب الدماغ النوامي هو أنه مقامرة غير معلومة النتائج، والمشكلة كانت المحاولة لموازنة الأعراض الجانبية الناتجة عنه مع التأثيرات المرجوة منه، والذي لم يكن بالأمر الهين فالمرض كما ذكرت أعلاه لا يتشارك نفس الصورة السريرية مرتين لدى مريضين مختلفين وبالتالي كان لابد من اتباع نهج المحاولة والفشل في تطبيق العلاج.
تأثيرات الدواء تتفاوت في حدتها وأنواعها، وهذا ما يجعل L-Dopa بالنسبة لمرضى التهاب الدماغ النوامي دواء يصعب التنبؤ بنتائجه ومدى فائدته للمريض. من أغرب الأمثلة على نتائج الدواء الغريبة هي حالة السيدة هيستر أعلاه نفسها و المذكورة في الصفحات ما بين 140 و 160.. والتي وصلت إلى مستوى القدرات الخارقة. فهذه السيدة قد طورت نتيجة للدواء سرعات خارقة في ردود الأفعال (بينما كانت تقريباً جامدة تماماً ولا تتحرك مطلقاً قبل الدواء) لدرجة وصفها فيها الدكتور ساكس بأنها "لو ولدت في الغرب الأميريكي لكانت صاحبة أسرع مسدس على الإطلاق" وسأترجم ما رواه عن حادثة لهذه السيدة بما أنها كانت من أكثر الحالات الناجية من المرض نجاحا في هذا الكتاب، ولكي نقارن التحول الهائل الذي سببه لها الدواء بالفارق بين حادثة الفيضان أعلاه وهذه الحادثة التالية:


----------------------------------------------------
--- عندما طلبت من بعض طلبتي لعب الكرة مع السيدة هيستر، لم يجدوا فقط أن مجاراتها مستحيلة، وفوق أنه كان من غير الممكن لهم أن يمسكوا بما تقذفه عليهم من كرات.. كانت تخلط ذلك مع ذكائها الحاد وترشقهم بالكرة في أيديهم التي لا تزال ممدودة من الرمية السابقة. كنت أخبرهم: "ترون كم هي سريعة. لا تستهينوا بها، من الأفضل أن تجهزوا أنفسكم لمواجهتها" ولكن كان من المستحيل لهم أن يستعدوا أمامها. ردود أفعالهم كانت تقاس بثمن ثانية، أما هيستر فكانت لا تتجاوز ثلاثة عشر جزءاً من الثانية. كنت أخبرها أن تعد إلى العشرة قبل أن ترمي بالكرة فترد علي بأنها بالفعل كانت تعد.. ولكنها تعد بسرعة كبيرة وفي أجزاء خيالية من الثانية وكل ذلك دون أن تدرك ذلك. ---
----------------------------------------------------

بالطبع لم يكن كل المرضى بنفس نصيب السيدة هيستر من الحظ بالفعل. فبعضم فارق الحياة وبعضهم كانت تأثيرات الدواء الجانبية أكبر مما يمكنهم أن يحتملوا فتم إيقاف تعاطيهم إياه. الكتاب حافل بالعديد من الأمثلة المكتوبة بأسلوب ممتاز وعلمي لا يخلو من العاطفة على حد سواء لكل تلك الحالات.

الكتاب مليء بالمصطلحات الطبية والعلمية وأتوقع أن قراءته ستكون من الصعوبة بمكان حتى لمتقني اللغة الإنجليزية إن لم يكونوا على دراية طبية كافية ببعض المصطلحات الواردة فيه. لذلك أنصح به للمهتمين للغاية بخبايا العقل البشري، المهتمين بالأمراض العصبية والنفسية.. أو من هم على استعداد لخوض المصاعب في سبيل هذه التجربة الشيقة.



شكراً لمتابعة هذه المراجعة
أراكم في كتاب آخر ~
.
.
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدونة تسوندوكو © 2014